الفيض الكاشاني

94

أنوار الحكمة

وهي نهاية تدبير الأمر ، ثمّ يأخذ في العود ، فأول ما يحصل فيه مركّب من مادّة وصورة ، ويسمّى بالجسم ، ثمّ يتخصّص الجسم بصورة أعلى وأشرف ، فيصير بها ذا اغتذاء ونموّ ، ويسمّى بالنبات ، ثمّ يزيد تخصّصه بصورة أخرى أعلى ممّا قبلها ، يصير بها ذا حسّ وحركة ، ويسمّى بالحيوان ، ثمّ يزيد تخصّصه بصورة أعلى وأفضل ، يصير بها ذا نطق ، ويسمّى بالإنسان ، وللإنسان مراتب كثيرة إلى أن يصير ذا عقل مستفاد ، فحينئذ تتمّ دائرة الوجود وتنتهي سلسلة الخير والجود . فالوجودات ابتدأت فكانت عقلا ، ثمّ نفسا ، ثمّ صورة ، ثمّ مادّة ؛ فعادت متعاكسة كأنّها دارت على نفسها جسما مصوّرا ، ثمّ نباتا ، ثمّ حيوانا ، ثمّ إنسانا ذا عقل ؛ فابتدأ « 1 » الوجود من العقل ، وانتهى إلى العقل . كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ [ 7 / 29 ] كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ [ 21 / 104 ] . والشرف والكمال إنّما هو بالدنوّ من الحقّ المتعال ، ففي البدو كلّما تقدّم كان أوفر اختصاصا ، وفي العود كلّما تأخّر كان أعلى مكانا ؛ وإلى البدو أشير بليلة القدر وإنزال الكتب والرسل المعنويّين تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ * فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ [ 97 / 4 - 5 ] . وإلى العود بيوم القيامة والمعراج المعنوي : تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [ 70 / 4 ] . وعنهما عبّر بالإقبال والإدبار : قال الصادق عليه السلام « 2 » : « إنّ اللّه خلق العقل وهو أوّل خلق من الروحانيّين عن يمين العرش من نوره ، فقال له : أدبر . فأدبر ، ثمّ قال له : أقبل . فأقبل ؛ فقال اللّه - تعالى - : خلقتك خلقا عظيما ، وكرّمتك على جميع خلقي » . - قال - : « ثمّ خلق الجهل من البحر الأجاج ظلمانيّا ، فقال له : أدبر . فأدبر ، ثمّ قال له : أقبل ، فلم يقبل ، فقال له : استكبرت . فلعنه » .

--> ( 1 ) مل : فابتداء . ( 2 ) الكافي : كتاب العقل والجهل : 1 / 21 ، ح 14 . المحاسن : كتاب مصابيح الظلم ، باب العقل : 1 / 196 ، ح 22 . الخصال : أبواب السبعين وما فوقه ، الحديث 13 : 2 / 589 . بفروق يسيرة . ورواه صاحب تحف العقول ( ص 400 ) عن الكاظم عليه السلام وفي الروايتين اختلافات يسيرة .